علي بن أحمد المهائمي

331

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

بين الضحك والاحمرار ، ( فإن الضحك من الأسباب الموجبة لاحمرار الوجوه ) لكن بين الاحمرارين فرق ، وهي ( في السعداء احمرار الوجنات ) تزيننا لوجوههم ، وفي الأشقياء حمرة فاحشة مشوهة للوجوه . ( ثم جعل ) سبحانه وتعالى ( في موازنة تغيير بشرة الأشقياء بالسواد ) المذهب للإشراق ، والبياض بالكلية الاستبشار الموجب لمزيد الإشراق والبياض في وجوه السعداء ، حيث أنزل في شأنهم ( قوله تعالى : مُسْتَبْشِرَةٌ [ عبس : 39 ] ) من حيث اشتراكهما في تغيير لبشرة الوجه إلى غاية خلاف ما كان عليه ، وذلك أن الاستبشار ( هو ما أثره السرور في بشرتهم ) من غاية الإشراق والبياض ، ( كما أثر السواد في بشرة الأشقياء ) بإذهاب ما كان فيها من البياض والإشراق بالكلية هو . ( ولهذا ) أي ولاشتراك ما يحصل للسعداء والأشقياء في تغيير بشرة الوجه ، ( قال ) تعالى ( في ) حق ( الفريقين بالبشرى ) من اختصاصها في الفرق بالخبر الصادق المسر ؛ فلابدّ من تأويلها بما ذكرنا ( أي : يقول لهم ) أي لكل واحد من أفراد الفريقين ( قولا يؤثر في بشرتهم فيعدل بها ) أي : بالبشرة بتغيرها ( إلى لون ) جديد ( لم تكن البشرة تتصف به ) أي : بذلك اللون ( قبل هذا ) القول ، فكأنه أخذ البشرى من البشرة باعتبار تأثيرها فيه ، ( فقال تعالى في حق السعداء يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ [ التوبة : 21 ] ) هي رؤية وجهه الكريم ( وَرِضْوانٍ ) هي الطاقة المعنوية وقت الرؤية وغيرها وجنات هي إنعاماته الحسية . ( وقال في حق الأشقياء : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * ) ولا شكّ أن القول إنّما يؤثر في الباطن الذي هو النفس الحيوانية والناطقة والإلهية المعبر عنها في اصطلاح القوم بالنفس والقلب والروح ويسرى منه إلى الظاهر ، ( فأثّر في بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم ) الحيوانية والناطقة والإلهية ( من أثر هذا الكلام ) ، ولا شكّ أن هذه النفوس أيضا ظواهر الأعيان الثابتة كالأجسام وقواها لهذه النفوس ؛ ( فما ظهر عليهم في ظواهرهم ) أي : النفوس المذكورة والأجسام والقوى ( إلّا حكم ما استقر في بواطنهم ) التي هي الأعيان الثابتة ، وفسر ذلك المستقر في البواطن بقوله : ( من المفهوم ) أي : المفهومات التي كانت في استعداداتها من حيث هي ثابتة في العلم على نهج المفهومية المحضة يؤثر في ظواهرهم تأثير مفهوم الكلام في الباطن والظاهر . وإذا كان كذلك ( فما أثّر فيهم ) بالسعادة والشقاوة ، وسائر الأعراض المسرة والمؤلمة وغيرها ( سواهم ، كما لم يكن التكوين إلّا منهم ) من جهة امتثالهم أمر ربهم ( فلله الحجة البالغة ) عليهم إذا عاقبهم بكفرهم ومعاصيهم ، إذا كان الكفر والمعاصي والعقاب عليهما من تأثيرات أعيانهم وتكويناتها .